الغزالي

184

إحياء علوم الدين

مثال آخر لاغترار الخلق بالدنيا وضعف إيمانهم وقال الحسن رحمه الله [ 1 ] : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه « إنّما مثلي ومثلكم ومثل الدّنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتّى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي أنفدوا الزّاد وخسروا الظَّهر وبقوا بين ظهراني المفازة ولا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلَّة تقطر رأسه فقالوا هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا إلَّا من قريب فلمّا انتهى إليهم قال يا هؤلاء فقالوا يا هذا فقال علام أنتم ؟ فقالوا على ما ترى فقال أرأيتم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملون ؟ قالوا لا نعصيك شيئا قال عهودكم ومواثيقكم باللَّه فأعطوه عهودهم ومواثيقهم باللَّه لا يعصونه شيئا قال فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء الله ثمّ قال يا هؤلاء قالوا يا هذا قال الرّحيل قالوا إلى أين ؟ قال إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم فقال أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتّى ظننّا أنّا لن نجده وما نصنع بعيش خير من هذا ؟ وقالت طائفة وهم أقلَّهم ألم تعطوا هذا الرّجل عهودكم ومواثيقكم باللَّه أن لا تعصوه شيئا وقد صدقكم في أوّل حديثه فوالله ليصدقنّكم في آخره فراح فيمن اتّبعه وتخلَّف بقيّتهم فبدرهم عدوّ فأصبحوا بين أسير وقتيل » مثال آخر لتنعم الناس بالدنيا ، ثم تفجعهم على فراقها اعلم أن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا ، مثل رجل هيأ دارا وزينها ، وهو يدعو إلى داره على الترتيب قوما واحدا بعد واحد . فدخل واحد داره ، فقدم إليه طبق ذهب عليه بخور ورياحين ، ليشمه ويتركه لمن يلحقه ، لا ليتملكه ويأخذه ، فجهل رسمه ،